أخبــاربلاد الجواربلاد المهجرنبض الساعةهيدلاينز

الصين تدخل حرب إيران من خلف الستار

لم تدخل الصين الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران بصورة مباشرة، ولم ترسل قوات أو طائرات مقاتلة إلى ساحات القتال، كما لم تعلن تحالفاً عسكرياً مع طهران. لكن ذلك لا يعني أنها تقف على مسافة واحدة من أطراف الصراع.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن بكين اختارت نمطاً مختلفاً من الدعم، يتركز على التكنولوجيا والمكونات الإلكترونية والاتصالات والملاحة والأقمار الصناعية، إلى جانب صفقات تسليح محتملة يمكن أن تساعد إيران على تعويض جزء من خسائرها وتطوير قدراتها العسكرية محلياً.

دعم يتجاوز السلاح التقليدي

تطور التعاون العسكري بين الصين وإيران خلال السنوات الماضية من صفقات السلاح التقليدية إلى مجالات أكثر تعقيداً، تشمل التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج والمكونات اللازمة لتصنيع أنظمة عسكرية.

وتكتسب هذه القدرات أهمية خاصة في حرب طويلة، إذ لا تحتاج الدولة إلى الحصول على كميات كبيرة من الأسلحة الجاهزة إذا كانت قادرة على إنتاج بعضها محلياً وتعويض خسائرها بصورة مستمرة.

وفي آذار 2026، ظهرت معلومات عن حصول جهات مرتبطة بالصناعات العسكرية الإيرانية على معدات وتكنولوجيا صينية مرتبطة بصناعة الرقائق، مع حديث عن تدريب تقني أيضاً. ولا تتوافر معلومات مستقلة كافية لتحديد حجم هذا التعاون أو علاقته المباشرة بالعمليات العسكرية.

الأقمار الصناعية.. عين إضافية في الحرب

يمثل التعاون الفضائي أحد أكثر الملفات حساسية. فقد ظهرت خلال الأشهر الماضية تقارير عن حصول إيران على قدرات صينية للاستطلاع والتصوير الفضائي، إلا أن هذه المعلومات قوبلت بنفي من بكين، ولا توجد أدلة علنية مستقلة كافية لحسمها.

لكن التعاون الفضائي بين البلدين ليس جديداً، في ظل امتلاك الصين شبكة واسعة من أقمار الاستشعار ونظام الملاحة “بايدو”، مقابل امتلاك إيران قدرات محدودة نسبياً في هذا المجال.

وتوفر صور الأقمار الصناعية وبيانات الملاحة والاتصالات ميزة مهمة في الحروب الحديثة، خصوصاً في تحديد مواقع الأهداف ومتابعة التحركات العسكرية وتوجيه الصواريخ والطائرات المسيّرة.

صواريخ مضادة للسفن

برز أيضاً ملف الصواريخ الصينية المضادة للسفن، مع معلومات عن مفاوضات إيرانية للحصول على صواريخ “CM-302” الأسرع من الصوت، بمدى يقدر بنحو 290 كيلومتراً.

وفي حال دخول هذه الصواريخ الخدمة بأعداد كبيرة، فقد تمنح إيران قدرة إضافية على تهديد السفن في الخليج وبحر عُمان ومحيط مضيق هرمز.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة إلى الصين نفسها، التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة القادمة من منطقة الخليج. لذلك فإن استمرار اضطراب الملاحة في هرمز لا يهدد المصالح الأميركية وحدها، بل يمكن أن ينعكس أيضاً على الاقتصاد الصيني.

دفاع جوي وحرب إلكترونية

وفي تموز 2026، ظهرت معلومات عن اتجاه إيران للحصول على مئات المنظومات الصينية المحمولة للدفاع الجوي، بينها “QW-12” و”FN-16″، وهي منظومات مخصصة أساساً للتعامل مع الطائرات والمروحيات والمسيّرات على الارتفاعات المنخفضة.

كما يمثل مجال الحرب الإلكترونية جانباً آخر من التعاون المحتمل. فقد طورت الصين قدرات واسعة في التشويش والاتصالات والهجمات السيبرانية وتعطيل أنظمة الملاحة والاستطلاع، وهي مجالات تزداد أهميتها مع اعتماد الجيوش الحديثة على الأقمار الصناعية والشبكات الرقمية والطائرات غير المأهولة.

لكن لا توجد معلومات علنية موثوقة تؤكد أن الصين نقلت إلى إيران أحدث منظوماتها الاستراتيجية، مثل الطائرات الشبحية المتطورة أو بعض الصواريخ الاستراتيجية أو أنظمة متقدمة مضادة للأقمار الصناعية.

ماذا تخفي الترسانة الصينية؟

تمتلك الصين مجموعة واسعة من القدرات العسكرية التي قد تكون ذات أهمية بالنسبة إلى إيران، بينها الصواريخ الفرط صوتية، والصواريخ المضادة للسفن، والحرب الإلكترونية، والأسلحة المضادة للأقمار الصناعية، والطاقة الموجهة والطائرات الشبحية.

ومن أبرز المنظومات المعروفة صاروخ “DF-17” المرتبط بمركبة انزلاق فرط صوتية، إلى جانب منظومات بحرية وصاروخية مصممة لتعقيد حركة القوات المعادية في المناطق القريبة من السواحل.

وتعمل الصين أيضاً على تطوير تقنيات متقدمة في الليزر والطاقة الموجهة والطائرات القتالية الجديدة، لكن كثيراً من تفاصيل هذه البرامج لا يزال غير معلن، كما أن ظهور نماذج تجريبية لا يعني بالضرورة دخولها الخدمة العملياتية.

ولهذا يصعب تحديد حجم القدرات التي يمكن أن تكون متاحة لإيران، أو التمييز بين ما هو قائم فعلياً وما يزال في مرحلة التطوير أو الاختبار.

الحرب.. فرصة للصين للتعلم

لا تحتاج بكين إلى إرسال قوات إلى الشرق الأوسط للاستفادة من الحرب. فالمواجهة تمنحها فرصة لمراقبة أداء الطائرات الشبحية، وأنظمة الدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والأقمار الصناعية، والصواريخ والمسيّرات في ظروف عملياتية حقيقية.

كما تتيح متابعة نقاط ضعف القواعد العسكرية وشبكات القيادة والسيطرة وقدرة الولايات المتحدة على إدارة عمليات بعيدة عن أراضيها.

وتحمل هذه المعلومات أهمية تتجاوز إيران، إذ يمكن للصين الاستفادة منها في تطوير خططها العسكرية الخاصة، خصوصاً في ظل تركيزها على سيناريوهات محتملة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

فكل تجربة دفاعية أميركية، وكل طريقة لاستخدام الطائرات المتقدمة أو الصواريخ بعيدة المدى، توفر بيانات يمكن دراستها وتحليلها.

من الشرق الأوسط إلى آسيا

لهذا تنظر بكين إلى الحرب من زاوية أوسع من المواجهة بين واشنطن وطهران. فإذا تمكنت الصواريخ الإيرانية من تجاوز بعض الدفاعات، فستدرس الصين أسباب ذلك. وإذا نجحت الحرب الإلكترونية في تعطيل أنظمة معينة، فستبحث عن طرق لتطوير هذه القدرات. وإذا أثبتت الطائرات الشبحية فعاليتها، فستعمل على إيجاد وسائل أفضل لاكتشافها ومواجهتها.

وبذلك تتحول الحرب إلى مصدر مهم للمعلومات العسكرية بالنسبة إلى الصين، من دون أن تضطر إلى الانخراط المباشر فيها.

دعم محسوب بلا مواجهة مباشرة

لا تبدو الصين، وفق المعطيات المتاحة، مستعدة للتحول إلى طرف مباشر في الحرب أو خوض مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة دفاعاً عن إيران. وفي المقابل، فإن تصويرها كطرف محايد تماماً لا يعكس طبيعة التعاون المتزايد بين بكين وطهران.

النمط الأوضح يتمثل في دعم اقتصادي وتقني، ومكونات ذات استخدام مزدوج، وتعاون فضائي، وصفقات تسليح، وقدرات دفاع جوي، إلى جانب مراقبة دقيقة للعمليات العسكرية.

وتسمح هذه السياسة لبكين بمساندة إيران من دون تحمل كلفة الدخول المباشر في الحرب، مع الحفاظ على مساحة للمناورة السياسية.

وفي النهاية، قد لا تكون أهمية الدور الصيني مرتبطة بسلاح واحد تخفيه بكين، بقدر ما ترتبط بمنظومة متكاملة تشمل الاستشعار والاتصالات والملاحة والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والصواريخ والطائرات.

وهذه المنظومة قد تكون، على المدى البعيد، أكثر تأثيراً من امتلاك سلاح منفرد، لأنها تمنح الدولة القدرة على اكتشاف الهدف وتحديد موقعه وتعطيل دفاعاته ثم توجيه السلاح إليه بدقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى